ابراهيم مفتاح شاعر البر والبحر



















إبراهيم مفتاح


  • إبراهيم عبدالله عمر مفتاح (المملكة العربية السعودية).

  • ولد عام 1359هـ/1940م في جزيرة فرسان بالمملكة العربية السعودية.

  • أتم دراسات تكميلية عام 1389 هـ.

  • عمل مدرساً بالمرحلة الابتدائية, وسكرتيراً لتحرير مجلة (الفيصل), ووكيلاً لمدرسة فرسان المتوسطة والثانوية.

  • عضو في نادي جازان الأدبي.

  • له مشاركات في العديد من الأمسيات الشعرية والملتقيات الأدبية داخل المملكة, وقد تم اختياره لإلقاء قصيدة شعرية في الحفل الرئيسي لمهرجان الجنادرية الثامن.

  • دواوينه الشعرية: عتاب إلى البحر ـ احمرار الصمت 1409هـ ـ رائحة التراب 1995

  • أعماله الإبداعية الأخرى: مقامات فرسانية 1412هـ.

  • مؤلفاته: فرسان: جزائر اللؤلؤ والأسماك المهاجرة ـ فرسان الناس والبحر والتاريخ.

  • عنوانه: جزيرة فرسان ص.ب: 11 ـ منطقة جيزان ـ المملكة العربية السعودية


















مقال/ حليمة مظفر 







تفاصيل صغيرة في حياة شاعر الكلمة الرقيقة إبراهيم مفتاح الابن البار


 لجزر الحلم .. جزر فرسان 









أطلال قرية القصّار في حياة إبراهيم مفتاح... صوت للحب الخالد بجزر الحلم "فرسان" 












من بين كل بقايا القُصّار المصفرة... تلك القرية الفرسانية التي هجر أهلها بيوتها الطينية ونخيلها وماءها العذب، وتركوها صبية يافعة تئن وحدتها بين أعين الغزلان الرافلة فيها؛ اختار الشاعر إبراهيم عبد الله مفتاح الجلوس على عتبة بيته الحجري القديم أثناء حديثنا؛ متأملا ذاكرة تيبست عروقها في نبض أبنائها، وجاء منها صوته نديا بطعم ذاكرته الجنوبية العتيقة فيما تواضعه العفوي يشعرك بنكهة الفطرة التي عرفت وطنا آمنا لها داخل حسه المرهف الذي لطالما أتعبه. 









إبراهيم ليس أي شاعر؛ إنه إنسان من نوع مختلف؛ لقد بذرته جزيرة فرسان من رحمها عام 1359هـ، وبات بعدها ابنها البار المتيم بنحرها المائي، كما كان ابنا بارا لأمه التي أعطته من عمرها وشجنها تقاسيم ثغر باسم للحياة، فكانت وهي التي انفصلت عن والده منذ أن كان بقايا جنين في أحشائها؛ العين الحانية التي تربى على حجرها وتحت كفالة خالها حيث اعتنى به بعد أن قرر والده تركه مع أمه. 









ويخبرني بصوت حاني لذاكرته ومهد طفولته"أمي رحمها الله كانت امرأة جاهلة واعية، لقد عودتني على أشياء كثيرة، فكانت تحاسبني حتى على مشيّ على البطاح (الحصى) الذي يفرش به البيت قديما، وتعاقبني إذا ما تركت أثري عليه" يسكت لبرهة تتمدد فيها الذاكرة إلى الخريف ويقول"إنها مثالية جدا في كل شيء، عودتني على ذلك وجعلت مني أعاني الآن كثيرا من الفوضى التي تحيط بنا". 









كان صوتها الحاني وهي تغني له كي ينام في هندوله يرسم طيفا مخمليا عند إبراهيم في كل مرة يسمع فيها صوت امرأة فرسانية قديمة ليصبح لديه أجمل صوت ينشد الغناء المحلي وخاصة أغنيته المفضلة"وادي ويادوه، وادي بسيدي، درهت باثنين، قمر ونجمين، وادي ويادوه، وادي بسيدي، درهت باثنين، النون والعين".









ويقول"عندما كانت تشتد الهجرة في ساعات القيلولة والرجال حينها بين السماء والماء يغوصون في البحر بحثا عن اللؤلؤ ولقمة العيش كانت الأمهات يناجين أبناءهن والزوجات يناجين أزواجهن بهذا الغناء القديم"ويتابع"أنا إنسان غارق في المحلية، ويكاد الصوت المحلي المكتنز بالحنين والعفوية أكثر ما يرسخ في داخلي "لكن لا يمنعه ذلك أبدا من الاستماع إلى الأصوات الخالدة كما لقبها كالصوت اللبناني الدافئ فيروز. 









وإبراهيم الذي أسعفه حظه بأنه ولد في أسرة كريمة حيث والده الشاعر الذي يمتلك سفينة وخال أمه الذي تربى لديه كذلك، كانت قد دفعت به إلى التعليم ولم ترسله إلى البحر كأكثرية أقرانه ممن رمت بهم الحاجة وشظف العيش إليه، فتفتحت عيناه في الكتّاب التي انتشرت بجزيرة فرسان. 









ولأنه كان سريع البديهة ويحظى بذاكرة قادرة على التهام كتب السير ومعلومات عديدة توفرت ببعض المجلات المصرية التي يرسلها إليه أقرباؤه في مدينة جدة؛ كان قد أثراه بالمعرفة التي أهلته إلى أن ينتقل مباشرة للصف الخامس الابتدائي عندما فتحت أول مدرسة سعودية نظامية بالجزيرة الأم، ويقول"لقد اختبروا معلوماتي فوجدوا أنها تؤهلني للانتقال إلى الصف الخامس الابتدائي عام1375 تقريبا"وبعد أن أنهى الابتدائية انتقل إلى جازان للدراسة في معهد المعلمين الابتدائي، وتخرج منه عام 1381هـ.









ولأنه خلق ليكون مدرسا، فإنه سرعان ما تمّ تعينه في محافظة بيش ومن ثم المدرسة السعودية بجازان زاحفا إلى مسقط رأسه فرسان التي انتقل إلى مدرستها الابتدائية، لكن طموحه كان كبيرا رغم التصاقه بالبحر وجعل منه أن يقرر تقديم استقالته من التدريس، لينتقل إلى مدينة الرياض ويعمل سكرتير التحرير في مجلة الفيصل التي رئس تحريرها الأستاذ علوي طه الصافي.









ويقول"حينها كنت قد أخبرت صديقي علوي أني سمكة وأخشى أن اختنق في الصحراء" لكنه رحل وكان حدسه في محله؛ إذا أن النتيجة كانت مرضه الذي اشتدّ عليه بعد مضي عام كامل حقق خلاله انجازات صحافية أهلته ليكون في منصب مدير التحرير كما أخبر بذلك الصافي في كتابه "هؤلاء ... مرّوا على جسر حياتي". 









ويحكي عنه"لم يمر عام على مكوثه حتى أصبح بعدها طريح الفراش يمتص الاكتئاب ذوب نفسه، ويرخي بأسداله السوداء على روحه، كسمكة أخرجت من الماء فانتابها نفضة الموت والحنين العنيف إلى الماء...وتوقف عن التغريد، لم يقل خلال العام بيتا واحدا من الشعر، خِفتُ عليه، وقد كنت سعيدا بوجوده" ليس ذلك فحسب بل ويقول"حين أخذناه إلى المستشفى همس الطبيب في أذني بأنه معرض للموت إذا لم يعد لمعشوقته الغجرية فورا !! وكان لا بد مما ليس منه بد". 









ولهذا كان قرار إبراهيم بالرحيل عن جزيرته أصعب وأكثر قرار يقول عنه"ندمت عليه، كدتُ أفقد حياتي نتيجة حسد أصابني وعانيت منه لسنوات طويلة وما برئت منه إلا بعد حين"وسرعان ما عاد إلى غجريته فرسان كما يصفها صديقه الصافي كي يفتح أبواب الخير لها ولجزرها التي تربو عن 200، فيما هي نائية وبعيدة عن ترف التنمية. 









وعاد إلى سلك التعليم بوزارة المعارف وكيلا لمدرسة فرسان المتوسطة والثانوية، إنه يعلم أن التعليم هو مفتاح ساكنيها إلى التنمية الحقيقية، وانكب يعلم تلامذته النون والقلم حتى أصبح بعضهم من أرباب الإبداع والإعلام كالشاعر والصحافي عبد المحسن اليوسف وحسن محمد سهيل وغيرهم.









لكن لماذا لم يتدرج في المناصب الوظيفية بوزارة المعارف في فرسان وهو أهل لذلك وأكثر مثقفيها حبا وإخلاصا وتفانيا، بل أن بيته يعد قبلة فرسان الأولى لاستقبال ولاة الأمر والوزراء والوجهاء إذا ما هموا بزيارة الجزيرة المضجعة على البحر الأحمر والتعرف على وجهها الباسم الحقيقي الذي يزيل غشاوة القائلين بأنها منفى تعاني تحديات التنمية المتأخرة؛ ويجيب"المسألة قضية شهادات وأنا لم أكن أحمل سوى شهادة المعهد الابتدائي وهذا لا يكفي المناصب". 









لكن إحساسه المرهف الذي يقول عنه أبنه الشاعر عبد الله مفتاح"كثيرا ما أتعبه، فأبي يتألم حتى على موت قطة في أحد شوارع فرسان" ليس هذا فحسب بل لعلّ مشاهدة إبراهيم في طفولته لرجل منفي في الجزيرة عاري الظهر؛ يأكل قليلا من التمر تحت شمس الظهيرة الحارة أكثر المشاهد ألما لقلبه، دفعه للركض إلى أمه يسألها باكيا"لماذا يا أمي هذا الرجل ليس لديه بيت ويعاني الجوع". 









لذلك فإن للبكاء عند إبراهيم حكايات عديدة فهو متنفسه لمداوة الألم الذي يلتقطه إحساسه دون روية ويقول"عندما كان والدي على فراش الموت، بكيت بشدة أمامه، حتى عاتبني بقوله أن الرجال لا تبكي، فقلت له يا والدي العزيز، إن الرسول عليه السلام عندما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى". 









سألته مباشرة؛ ما أكثر اللحظات الأليمة التي رسخت في وجدانك؟ قال مطلقا آهة حد السماء" كثيرة اللحظات التي تألمت بها وبكيت"وأخذ يعدد لي ويحكي لحظات مرت به وتألم فيها لحال الناس دون أن يأتي على ذكر عبد الرحمن، ابنه الذي فقده في يوم 23 من رمضان الماضي قبل الإفطار بعشر دقائق، سألته: لم تأت على ذكر عبد الرحمن وهي أكثر اللحظات وجعا لك؟ يجيب"إنه الشيء الوحيد الذي لا أستطيع ذكره لأنه يؤلمني كثيرا وأحاول الهروب منه". 









عبد الرحمن رحمه الله كما يقول عبد الله أخيه كان سببا في مفاجأتهم بتماسك والده إبراهيم حين فجعوا بوفاته ، قال"كم خشيتُ على والدي كثيرا لأنه حساس جدا، لقد تعودنا على دموعه لأبسط الأشياء، لكن في وفاة عبد الرحمن كان مختلف جدا، ومتماسك لدرجة أدهشتنا" لكنه مع ذلك كانت حجرته والفراغ المحيط به هي من تشهد على دموعه ووجعه، ويكمل"دخلت عليه ذات مرة ووجدته منهارا يبكي أخي، وعرفت أنه بتماسكه أمامنا يريد أن يحمينا من لحظة الانهيار والشعور بالحزن".









إذن ليس عجيبا أن يصبّ إحساسه الندي المتدفق بجماليات الفطرة الإنسانية على شعره عذوبة ورقة وإبداعا، لكن متى اكتشف أنه شاعر؟ يجيب"منذ الطفولة ذاكرتي لم تتعب من حفظ الشعر كبقية أقراني وعندما التحقت بالمدرسة كنت متفوقا في حصص العروض والقافية لما كان أستاذي الفلسطيني بكر القدسي يعطينا أبيات شعرية ويطلب منا إكمال قافيتها" لكنه اكتشف نفسه شاعرا عندما سمع لأول مرة أستاذه يدرس أحد أقربائه العروض وقال"شعرت بالغيرة أو المحاكاة لهذا العلم". 









هذه اللحظة التي عاشت في نفسه وهو الفتى صاحب 17 سنة دفعته في يوم عاصف للجلوس في دكان صغير وحيدا ينتظر زبائن قد اختبئوا في بيوتهم، وبين يديه كتاب النظرات للمنفلوطي الذي أوحى له بأن يتخيل نفسه ليلة من الليالي صاغها في قصيدة أسماها "ليل في حديقة" ويقول"لقد رغبت أن أرسل القصيدة إلى أستاذي الذي سافر إلى غزة". 









لكن المفاجأة الحقيقية كانت عندما نشرت القصيدة الأولى التي أصبحت تاريخا في حياته بجريدة الندوة، بعد أن بعث بها إلى أحد أصدقائه في مكة، ويقول بفرح"لقد نشرت بخط أبيض على خلفية سوداء عام 1978هـ، ما أزال أذكرها حتى اليوم"ويتابع"كان نشر النص على صفحات الجريدة دافعا بالنسبة لي ومصدر فخر لفتى بمثل عمري أصبح حديث المجتمع الفرساني" ثم ما أن بدأ قلبه المراهق ينبض بحبه الأول حتى كتب قصيدته الثانية"فتاة تفكر" وبدأ بعدها مشواره مع الشعر خاصة بعد أن احتك بالوسط الثقافي والأدبي بجازان. 









لكن يظلّ السؤال العالق عن سر تعلقه بقرية القصار وفؤاده المتأجج كلما سارت به قدماه تجاه أزقة أطلالها المهجورة التي"تذكر بالآخرة"كما وصفها أحد أصدقائه، وكما يحكي لي ابنه عبد الله ذلك قائلا"أبي متعلق بها لدرجة المرض، إنه شديد الالتصاق بها حتى أن والدتي تغار منها كثيرا وكأنها ضرتها". 









ويتابع"إنه أسبوعيا يذهب إليها يوم الجمعة منذ الساعة السابعة صباحا، ويبقى بها حتى قبيل آذان الجمعة ثم يعود" لهذه الدرجة والدك متعلق بها؟ "جدا وإلى درجة غير متصورة" ولهذا السبب حينما تحدثت مع أستاذي مفتاح كان قد اختارها مكانا تقاسمه الذاكرة، وسألته: لماذا اخترت هذه القرية التي أصبحت الثعابين أشهر ساكنيها أثناء حديثنا حول مشوارك الطويل؟. 









يجيب متنسما هواءها العليل وهو يرقب الشمس الغاربة في وجه الوادي المحيط بها قائلا"لأنها اختارتني، إنها تعود بي إلى 40 سنة خلت، ففيها بقايا طفولتي وشبابي وذكرياتي"ويتابع بحنين"أتذكر أن أهلي كانوا يخرجون بعد المغرب القعايد في ساحات القبلان الواسعة بها، وحينها أسمع وشوشات النخيل، والليل يشدني، فأجلس وليس بيني وبين القمر والنجوم حاجز، وكم استمتعت بحركات السحب في الليالي القمراء وارتحت للقمر عندما يكون بينها". 









هل كان يذكرك بالمرأة التي أحببت؟ يجيب"القمر شيء عادي بالنسبة لي، بينما يظلّ الحبيب عزيز المنال، وطبعا القمر من المألوف اللقاء به سواء أنا أو الآخرين، لكن الحبيب كما تعرفين ليس كذلك"إذا أستطيع القول أن القصار حكاية امرأة تقاسمتها أطراف القرية المهجورة مع فؤاد إبراهيم مفتاح؟ يجيب بعد لحظة تأمل"لا شك في ذلك" وهل كانت الحب الأول في قلبك؟ "لا؛ لكنه الحب الخالد"هل أحببت ثانية؟ يجيب"الحب يا أستاذة حليمة مرة واحدة فقط" ويبتسم مطلقا العنان لذاكرة عربية أبت أن تنسى شعراءها الذين خلدوا بذاكرتنا حينما أخلصوا لقلوبهم. 





أحدث أقدم