الفنان محمد وردي أنا فنان سياسي إلى أن أموت ولحنت في المعتقل بدون آلات موسيقية







                                                          الفنان محمد وردي





أنا فنان سياسي إلى أن أموت ولحنت في المعتقل بدون آلات موسيقية 

المزج بين السلمين السباعي والخماسي تشويه ولن أخرج من جلدي لأغني بالسباعي
على الفنان السوداني أن يتخلص من الكسل والقوقعة داخل نفسه وأن يسعى للإعلام





حاورته بالقاهرة : صباح موسى sabahmousa@hotmail.com
عندما سمعت خبر وفاة الفنان العظيم محمد وردي بدر إلى ذهني ذلك الموقف الذي حدث بيني وبينه في منبر جريدة الصحافة في نهايات عام 2003، فقد كان فناننا الكبير ضيفا على الصحافة في هذا اليوم، وبعد الحديث تغنى وردي بأحلى أغانيه وتفاعل معه الحضور بشكل كبير فهو وردي فنان أفريقيا الأول، ولم أكن أعرف ذلك وقتها ، وفي حديث وردي طالب بأن يتوجه الفن السوداني إلى أفريقيا وأن ينسى مصر والعرب، لأن الفن السوداني معروف في أفريقيا ومنتشر بها وقريب منها، وهنا طلب مني المداخلة، وبحماس خاطبت وردي لماذا تتوجه لأفريقيا، فانتشارك في مصر كفيل بذلك فهي هوليود الشرق، ولو أردت الانتشار عربيا وأفريقيا وعالميا عليك ان تتوجه لمصر، وفعلها كثير من الفنانين العرب، فمن كان يعرف كاظم الساهر مثلا قبل مجيئه لمصر، لم أكن أعلم قيمة الهرم الكبير وردي وزاد حماسي وطلبت منه أن يذهب إلى ماسبيرو في مصر وأن يغني وأن يتعرف الجمهور المصري عليه، بعدها سيحب الجمهور المصري السلم الخماسي والموسيقى السودانية، ولكنني طلبت منه أن يغني بالسلم السباعي الذي يعرفه المصريون، ولا مانع من أن يغني لعبد الوهاب مثلا أو أم كلثوم ليتعرف الجمهور على امكانات صوته، وهنا هاج الحضور فكيف لي أن أخاطب قامة مثل وردي بهذه اللهجة.
في اليوم التالي كانت هناك بعض الأعمدة والمقالات تتحدث عن الصحفية المصرية التي حدثت وردي بطريقة غير لائقة، وقتها حدثت نفسي كم جميل هذا البلد فالشهرة به سهله جدا، فمن أنا حتى يكتب عني كتاب أعمدة، كانت مفاوضات نيفاشا بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية في أوجها، وأنا أحتل حيزا كبيرا في الصحافة بالسودان، ظل هذا الموقف مربوطا بي في السودان، وظل في ذاكرتي ولم أنساه إلى أن جاء مهرجان الإعلام العربي في مصر في عام 2007، وكانت مفاجأته تكريم العظيم وردي عن مجمل أعماله، انتظرت لحظة مجيئه القاهرة وذهبت إليه، وسألته هل مازلت تتذكرني، وبلطف جميل قال لي هل التقينا من قبل؟ ذكرته بماحدث في الصحافة، فقال وقتها : نعم أتذكرك جيدا، وسألته هل مازلت عند رأيك؟ بأن تنسى مصر وتتوجه ل أفريقيا؟ فاجأني بحديث مختلف، كان سعيدا فرحا، وبدا لي وقتها أنه ارتاح كثيرا بهذا التكريم فمعناه إعتراف مصري وعربي بفنه وفن السودان في شخصه، وهذه سمة الفنان الواعي الذي يدرك قيمة فنه ونشر ثقافتة بلاده إلى الخارج، وبعدها كان لي حوار طويل معه عندما أعدت قرأته وجدته مهما جدا، وأن إعادة نشره ستوثق أكثر وأكثر كم كان فقيدنا عظيما.








                                                     الفنان محمد وردي



وفيما يلي نص الحوار معه على هامش مهرجان الإعلام العربي بالقاهرة في ديسمبر من عام 2007.
ماذا يقول الفنان " محمد وردي" في تكريمه في مهرجان بالقاهرة للإعلام العربي وخاصة وهي أول مرة لتكريم فنان سوداني؟
- الدعوة كريمة, خاصة وأن السودان لم يكرم في فنه من قبل, فهذه هي المرة الأولى أن يكرم فيها فنان سوداني بالرغم من أن هناك الكثيرون الذين يستحقون هذا التكريم. على أية حال تكريمي معناه تكريم السودان كله, ونشكر مصر أمنا وشقيقتنا الجارة الكريمة, ونرجو أن يكون التعاون كما كان من قبل أكبر وأجمل.
الفنان وردي دائماً يفضل إتجاه الفن السوداني إلى إفريقيا من مصر والعرب فهل مازلت عند هذا الرأي؟
- موسيقانا إفريقية, وخصوصية السودان في الموسيقى أيضاً إفريقية, والتأثير العربي كان فقط في الدين واللغة. والفنان السوداني كان له دور كبير في نشر اللغة العربية في إفريقيا كلها, وهذا الدور ليس سهلاً. ويجب على العالم العربي أن يعي ذلك ويهتم بالفنان السوداني.
في تقديرك هل عدم إنتشار الفن السوداني في مصر والوطن العربي تقصير عربي أم تقصير من الفنان السوداني؟
- هو تقصير من الإعلام السوداني أولاً, ثم تقصير من الفنانيين السودانيين فالعرب يستمعوا لكل الموسيقات العالمية ويمكنهم أن يسمعوا السودانية.
وردي يمكنه الغناء بالسلم السباعي؟
- نعم يمكنني فأنا فنان ولكني لاأريد أن أخرج من جلدي.
وماتعليقك على المزج بين السلمين السباعي والخماسي؟ وهل يمكن أن يكون حلاً لتذوق الموسيقى السودانية؟
- الخلط بين السلمين هو تشويه للمستمع السوداني أكثر. فمن يريد أن يغني بأحدهما يغني أفضل من الخلط. والخماسي يمكنه أن ينتشر لأن هناك دول عالمية خماسية مثل الصين واليابان, والخماسي منتشر بواسطة الهنود في أمريكا. ولكننا ماوصلنا الطور حتى نطور في السلم الخماسي.
ومارأيك فيما فعله الفنان " محمد منير" في أخذ بعض أغانيك وتوصيلها للجمهور بطريقته؟
- منير فنان نوبي ولسانه خماسي, وهناك فنانين غيره فعله مثله وهذا جيد فأنا أشجع هذا الموضوع.
وماصحة أنك إعترضت على ذلك ومنعت منير من غناء منير لأغنية في وسط الدايرة؟
- لم أمنعه, وأنا الذي أعطيته الأغنية, وعندما طرحها في شريط كتب أنها من تلحين محمد وردي.
الإعلام العربي والعالمي الآن لديه توجه مايعرف بصناعة النجم فهل الإعلام السوداني بمقدوره صناعة فنان سوداني وتسويقه عالمياً؟
- الإعلام السوداني يحتاج لصناعة نفسه أولاً. لأن حكومات السودان دائماً كانت تستولي على كل وسائل الإعلام المحلية, ويكون رأيها الأحادي فقط. ولكن أعتقد أن الحال إنفرج مؤخراً بظهور شركات إنتاج, وإعلام غير حكومي مثل قناة النيل الأزرق والشروق, وإذاعات مثل الخرطوم إف إم, وراديو الرابعة. فهذه خطوة على طريق الرأي الآخر.
ماهو جديد فناننا الكبير؟
- هناك ملحمة غنائية لتجربة الراحل " جون قرنق" وهي تجربة كبيرة للرجل الشهيد, نسرد فيها قصة حياته من بدايتها إلى نهايتها. وسيرى هذا العمل النور في أغسطس من العام المقبل. والملحمة من تأليف الشاعر عبد الواحد عبد الله.
الفنان دائماً هو نبض الأمة. والسودان أمة تعيش أزمة فماذا فعل وردي حيال ذلك؟
- عملت كثيراً من قبل فأنا أغني من منتصف الخمسينات, وحدثت لي مشاكل كثيرة سجنت, وهاجرت. وعملت أغنية عامة للسلام. فدارفور ليست المشكلة الوحيدة في السودان. وعدم الإستقرار لم يمكن الفنان من الإبداء برأيه. فعندما تستقر الأوضاع في الإقليم. سيقوم الفن بدور عن التسامح ونبذ المعارك الحربية.
أغنيتك " قمت أرحل" ماذا تمثل لك؟
- قمت أرحل تمثل مرحلة مهمة في حياتي. فلم يكن عندي أي آلة تلحين في المعتقل, وطلبت من وزير الداخلية أن يعطيني عودي ولكنه رفض وإضطررت لأن ألحن بدون عود. وإكتسبت هذه الميزة وهي التلحين بدون أي آلة موسيقية.
ذكرت من قبل أن معهد الموسيقى في السودان ليس لديه أي إسهامات. فهل مازلت عند رأيك؟
- نعم فدائماً في الدول البادئة في الموسيقى لم ينشئوا معاهد لأخذ الموهوبين. وفي معهد الموسيقى يشترط أن يكون الدارس حاصلاً على الثانوية العامة وهناك كثيرون موهوبين ليس معهم هذه الشهادة.
لكن هناك دول كثيرة ومنها مصر بها معاهد مماثله وتشترط أن يكون الدارس حاصلاً على الثانوية ؟
- هذا الشرط لم يكن موجوداً في مصر من قبل, بالإضافة إلى أن هناك معاهد حرة كثيرة للدراسة بمصر.
ولماذا درست في هذا المعهد؟
- درست به 3 سنوات وتركته, لأني وجدت أنه لاداعي لتكملة الخمس سنوات, فأنا لست محتاجاً لدبلومة أعمل بها.
جلست بالقاهرة فترة طويلة ماذا فعلت في تلك الفترة؟
- جلست في القاهرة في الفترة من 90 إلي 94 وسجلت أعمالا كثيرة بها وكونت علاقات جيدة بفنانيها الكبار مثل عمر خيرت, وعمار الشريعي.
هل فكرت في عمل مصري سوداني مشترك؟
- نعم هناك فكرة لهذا العمل بالإشتراك مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي فهو قريب للوجدان السوداني وسيرى هذا العمل النور قريباً.
هناك كثيرون يرون أن الفن العربي والسوداني في حالة هبوط هل تؤيد ذلك؟
- نعم. دعيني أتحدث عن الفن السوداني. فعندما أتت حكومة الإنقاذ كان هناك تزمت شديد, وأوقفوا الأغاني, كما أعدموا أغاني أخرى غزل وخمريات وهذه مكونات الأغنية الأساسية, كما إضطهضوا فنانين واعدين, وقفلوا باب التسجيلات. وهذا أحدث ربكة كبيرة في البلد . حتى عدت من أمريكا عام 2002 وتحدثت مع وزيري الداخلية والثقافة حتى فتحوا الباب للتسجيل ولكن بعدما تأخر فننا كثيراً.
والآن؟
- هناك نهضة ناشئة الآن.
لمن يسمع الفنان وردي من الفنانين العرب؟
- أسمع كل الفنانين حتى للذين لايعجبوني ولكني أطرب من فيروز وكاظم الساهر وأنغام وأصالة وهاني شاكر وصابر الرباعي وشيرين.
ومن تسمع من الشباب السوداني؟
- لايوجد شباب سوداني الآن سيكمل الإبداع السوداني.
ماهو الفنان العربي الذي تود أن تغني معه دويتو؟
- هاني شاكر
ماهي حصيلتك الغنائية
- لدي أكثر من 250 أغنية.
وماتعليقك على تجربة الفيديو كليب؟
- الفيديو كليب إذا كان سيراعي البيئة واحترام التراث أؤيده, ولكن معظم الموجود غير مقنع فمثلاً أن تجد فنان بدوي ويعيش حياة البدو وتجده في الكليب يركب موتورز ويعيش في بيئة مخالفة.
إحتفل السودان بمرور 50 عاماً من عمرك الغنائي وأقاموا كرنفالا لوردي كيف تقبلت هذا الأمر؟
- الكرنفال مسئولية كبيرة على عاتقي لأن الجماهير إعترفت أني عملت لهم شيئاً. وهذه المسئولية تجعلني أفكر في تقديم الأحسن.
إتهمت بأنك مدحت الرئيس جعفر نميري كثيراً؟
- أنا لم أمدح نميري شخصياً فكنت أمدح الشعارات التى أتى بها, فهو جاء كيساري, وعمل إتفاقية مع الجنوب وأوقف الحرب وعمل تأميم للبنوك. فأنا عمقت شعاراته فقط. وبعد أقل من سنة سحبت هذه الأماديح لأن نميري غير هذه الشعارات ودخلت السجن بعدها.
معروف عنك أنك فنان سياسي فمارأيك فيما يحدث بالسودان الآن؟
- نعم أنا فنان سياسي وإلى أن أموت, فالفنان هو الذي يواكب عصره السياسي. مايحدث في السودان مؤسف والبلاد مقبله على عقبات وخيمة يمكن أن تفتته. وأخشى من ذلك كثيراً. والسودان مرصود في ثرواته منذ أن ظهر البترول فالغرب ينظر إلينا على أننا ثروة.
هل تود أن تبعث برسالة للفنان السوداني وأنت في القاهرة نبض العالم العربي؟
- أقول للفنان السوداني لابد أن ينفتح, وأنه ليس عيباً أن ننفتح على الإعلام, فلابد للفنان أن يعلن عن نفسه. وعلى الفنان السوداني أن يتخلص من كسله والقوقعه داخل نفسه ومنطقته, والفن تراث إنساني فيمكنه أن يغني بأي لغة. كما أن الفنان السوداني ينتشر في المناطق المجاورة فأنا أغني سواحيلي وأمهري وغيرها من اللغات الإفريقية.
وهل العملاق وردي يمكنه أن يذهب للإعلام بنفسه؟
- نعم يمكنني فلابد أن نبادر نحن وكفانا تضيعاً للوقت. فهذا العصر متوقف على الإعلام.
في النهاية ماذا تحب أن تقول؟
- أقول أني قدمت الدعوة بإسم نقابة الفنانين السودانيين للموسيقار " عمار الشريعي" حتى يزور السودان ووافق وهذه الدعوة ستكون بداية العام القادم. 


رحم الله الفنان القدير محمد وردي واسكنه فسيح جناته



                           م/ صباح موسى

          





















أحدث أقدم